froum
 
الرئيسيةاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول
نحيطكم علما : بان هناك مسابقة افضل تقرير لاي مسلسل والفائز سياخذ بطاقة شحن سوا 10 او موبايلي او زين شاكرين لكم حسن الاستماع

شاطر | 
 

 الرؤيا .. رواية قصيرة

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ماجدة منصور
عضو
عضو
avatar

مزاجي :
  • بايخ

عدد المساهمات : 1
تاريخ التسجيل : 15/05/2013

مُساهمةموضوع: الرؤيا .. رواية قصيرة   الأربعاء مايو 15, 2013 11:41 am

فى البداية .. هى مش روايتى انا ولكنها رواية لكاتب مبتدىء ولكنى أراها تستحق النشر والخروج لللنور .. واتمنى انها تعجبكم وتساعدونى فى نشرها

المقدمة :

ماذا يحدث لو توهَّم أحدُهم أنه نبيٌ مُرسَل؟!!
ماذا يحدث إذا جعل نفسه رسولًا من الله على أهله وولده ؟!!
وهل يمكن أن تؤدِّي رؤيا إلى كل ذلك؟!



الجزء الأول :

استيقظ فجعاً ..
نظر بجانبه فإذا به يجد كل شيء كما عهده .. وليس بكثيرٍ في حجرة نومه .. سريرٌ هشّ و "دولاب" قديمٌ قد ورثه وأُوصِيَ بألا يبيعه ..
تحقَّق من معالم حجرته .. الشقوق التي قطنت حوائطها قبل أن يرث هذا البيت, التجاويف في سقفه الأملس الذي يتوسطه مصباح كهربائي بدائي متناهي في الصغر لا يكاد يصل ضوءُه إلى أرض الحجرة ..
تبين فإذا بزوجته غارقةٌ في سُباتها .. ساكنةٌ سكون الموت .. نظر في وجهها باكيًا .. ظلت تراوده الأفكار ذِهابًا وإيابًا.. هل يحدثها بما يكتم في نفسه فتشاركه الهم وتضع عنه ثقل ثقل العبء وروع الخَطْب؟ أو لعله إذا خاطبها دفعها ذلك إلى أخذ ابنهما الوحيد وهجره خوفًا على ابنها منه ..
حاول جاهدًا طرد هذه الأفكار عن خاطره واللوذ إلى النوم مرةً اخرى ولكن هيهات فما النوم –له إلا زائرٌ لا يأتي إلا قليلًا وإن أتى أتى بما لا يشتهيه صاحبه ..
كلما شرد ذهنه وتذكر من "حلمه" هذا مشهدًا .. ارتعد خوفاً وبكى حزناً وجزعاً .. ماذ يفعل تجاه هذا الخوف الدائم والعجز القائم؟ وكيف لانسانٍ أن يواجه رؤيا لا يريد أن يراها !؟
حمل نفسه على هجر فراشه وقام ليتوضأ ويصلي صلاة الخائف المرتاع .. بكى في صلاته .. لم ينطق بكلمة من كلمات الصلاة .. سجد دون ركوع وقام من سجوده دون تسبيح .. أخرس لسانَه بكاؤه .. بدأ يناجي ربه بتراتيل من المشرق والمغرب .. بعضها في كتاب دينه وبعضها في كتاب أهل أديانٍ أخرى .. وكأنه قد فقد سلطانه على لسانه.. حتى وصل إلى :
"لا إله إلا أنت سبحانك .. إني كنت من الظالمين" ..
ظل يكررها مئات المرات .. وعلا شهيق بكائه كلما رددها مرة تلو الأخرى وكأنه قد وجد فيها مراده ..فما أشبه حاله بذي النون .. نادى ربه في ظلمة لا يراه فيها من أحد .. و من ظلمةٍ لا يُبصِرُ منها مخرجاً ..
ظل يدعو بها وقال: "اللهم فك قيد عقلي من تلك الرؤيا .. اللهم انزع جذور تلك الرؤيا من نفسي .. اللهم هون على قلبي زعابيب تلك الرؤيا وعصفها بي"

-------------------------

الجزء الثانى :



ظلت تراوده الرؤيا نفسها عدة أيام متواصلة بلا انقطاع .. وربما ذهبت عنه ليلة أو بعض ليلة فتُمنِّيه بانتهاء البلاء إلا أنها لا تلبث أن تعاود زيارته في قيلولة أو حلم يقظة تالٍ ..
يُبقِي نفسه يقظاً لأيامٍ متتالية يخشى زيارتها .. تزوره مرةً أخرى في منامه .. وإن باغتته سِنةٌ أو نومٌ ثقيل في نهارٍ أو ليل .. يرى الرؤيا نفسها .. بكل مشاهدها وتفاصيلها الدقيقة تتكرر بحضور كل ما فيها ومن فيها ..
بدا الإجهاد والضنى عليه فلا يكاد يبصره أحدٌ إلا ويسأله عن المكروه الذي أصابه وعن الوجه البشوش الذي سلبه إياه مُصابُه.
إنه يعلم تمام العلم بما هو فيه من وطن ابتلاء لا يدري منتهاه ولا مبتغاه .. ويعلم أن الابتلاء لا يغادرالمبتلَى ويتركه معافىً كما كان من قبل .. منهم من يثبت حين البلاء فيرتد قوياً من بعد ضعف وصحيحاً من بعد أن قارب على الهلاك أيما مقاربة ..
ومنهم من يعصف به الابتلاء فيرديه أرضاً ويبقيه بين الناس يعيش ميتا .. وهو لا يعلم أي الرجلين سيكون !

أصبح لا يجالس أهله إلا قليلاً ولا يتحدث إلا همسا أو ما شابه الهمس خوفًا أن يظهر هزالُه في صوته .. بل وبلغ الأمر مداه فهجر زوجته وابنه .. حتى إذا لمحه مقبلًا عليه من بعيد يتراقص طربًا للقاء أبيه .. هرع مسرعاً إلى حجرته محكماً إغلاق بابها عليه .. يعلو صوتُ بكائه على حاله ويعلو صوتَ البكاء سبابُه -الزائف- لولده ولعنه له لعله يرتد فيبتعد عن ناظريه!!
.. لا يجيبه بشيء .. مهما علا صوته ومهما طال نداؤه .. لا يريد أن يظهر لابنه الوحيد وقرة عينه وطموح شبابه وعون شيبته.. لا يريد أن يظهر له ضعف أبيه واضحا كما كان .. قد يتحمل أن يكون سبباً لحزن ابنه ولا يطيق أن يرى الخوفَ في عين ابنه .. منه !!

ظل هكذا طويلاً طويلًا .. حتى توقفت الحياة بأكملها عن المسير وغابت عنه معانيها الطيبة كلها ولم يبقَ له إلا الفِكر وجهادُ الفكر .. وصار يومه عبئا ثقيلًا لا يطيق بقائه ولا يعلم للخلاص منه سبيلًا .. حتى أيقنش بالهلاك المحتوم .. إلا إذا ترك للرؤيا باباً تخرج منه إلى الواقع وتشق طريقها للنور ..
لعلها بإزهاقها روحا تُعيد الحياةً لقلبٍ أضناه طول الجهاد السقيم .. !

-----------------------------

الجزء الثالث :


رجلٌ يجرى هائمًا على وجهه يفرُّ من شيءٍ لا أثر له .. تملأ التجاعيد وجهه المتقدم في العمر .. تحوي كل تجعيدةٍ أثرًا من ذكرى تأسره .. مطارَدٌ من قِبَل ماضيه غير المنتهي .. يهرول في ثوبه المتهالك الذي لم يعد يواري سوءته .. ينظر في يديه فيرى أثرَ دماءٍ لم يزُل .. يبكي كلما توهَّم الدم على كفِّه .. يمسح كفه وهو على يقينٍ تام أن الدم قد جفَّ منذ سنواتٍ مضت .. يغنِّي وينوح في غنائه:
"راح العزيز من الخليقة لن يعود .. فلا البكاء ولا النواح تنفعُ"

مجذوبًا أصبح حين فقد قرة عينه وبهجة فؤاده .. أخذ يهرول ودقات قلبه تعلو المشهد كأنها طبول تنذر ببوادر حربٍ قادمة تخالطها صوت أنينه المتهدج كأكثر سيمفونية حزناً وأسَى .. في كل وطأة قدم يذكر ذكرًى له مع ولده .. يذكر وجهه بتقاسيمه البريئة كلها .. لا يذكُر شيئًا قبله أو بعده وكأن حياته قد ابتدأت بقدوم ولده وأُسدِل الستار برحيله.. ومن الذي أسدل ستائرها إلا هو نفسه !؟!

دمت قدماه ولم يتوقف –في هرولته- حتى لمح مبتغاه من بعيد .. لاح له في الأفق صناديق متراصة لا تختلف في الطول ولا في السعة إلا بالقدر يسير .. نُقِشَ على كل منها نقوشٌ عثمانيةٌ لم يفهمها أحدٌ من قبل ولم يحاول أحد .. مكتوبٌ على لوحٍة صغيرةٍ تقاوم السقوط "إنما الموت البوابة الأولى ..وإنما القبرُ مفتاحها" .. وبجوار هذه اللوحة .. نُقِشَ اسم ولده .. ودعاءٌ له بالرحمة .. اقترب ولا يزال يردد:
"ما للعيون بدمعها رقراقةٌ .. ما للقلوبِ بحزنها تتقطعُ"

كلما اقترب من قبره أكثر .. يشعر وكأن هياج الرمال قد ازداد من حوله .. وأسرعت شمس الغسق نحو المغيب .. وعلت رفرفة الطيور القوارض من فوقه بغضب في ثورةٍ .. وكأن المشهد بما فيه يبعث إليه رسالةً مفادها أنه ضيفٌ ثقيلٌ غيرُ مُرَحبٍ به ..
وقف على قبر ولده .. وقد جاوز أساه حدَّ البكاء ..
"أي ولدي .. ما أردت بذاك خسارتك .. يشهد الله كم أفتقدك وكم يؤلمني فراقك .. "
امتدت يدٌ من خلفه واستقرت على كتفه .. أدار وجهه فرأى صاحبه ورفيق عمره يقف محنيًا رأسه هو الآخر ..
"ما ينبغي لك القدوم وحدك .. كفاك من الأمر ما لاقيت"

لم يجبه فأخذ بيديه وابتعد به عن قبر ولده .. لم تكن المرات التي يزور فيها ولده تمتد لأكثر من دقيقةٍ او اثنتين.. ولا يلبث إلا أن يجده حارس المقابر مغشيًا عليه وقد تهاوى بجوار قبر ولده .. فيأتي صاحبه أو الحارس لإفاقته وإعادته إلى بيته ليبدأ معاناته الأخرى وتدور الدائرة من جديد ..

"هوِّن عليك يا صديقي .. فمن راح من الناس في مستراح .. ومن بقي فحتمًا هو لاحقٌ بمن راح .. عاجلًا أم آجلًا .. أراك تزداد وهنًا يومًا بعد يوم .. وأرى فيك خبرًا تخفيه عني .. إلى متى ستكتمه وأنا خليلك وصفيُّك من بين الناس كلها؟"
صرخ في وجهه:
"لا تُعِد الحديث عن هذا الموضوع .. قد حذرتك مرارًا !!"
صمت الاثنان .. هدأ قليلًا ثم قال بدعّة:
"لا أطيق تذكرها .. قتلتني حين أخرجتها للنور .. وستقتلني كلما تسلل النور لها في مخبأها في ذاكرتي .. أخبرتُ زوجتي من قبل فماذا فعلت .. رأتني صادقًا وموقنًا بما رأيت فجن جنونها وهجرتني وحاولت أخذ ولدي معها وحين لم أتركه لها .. بكت لي وبكيت لها .. رأت فيّ الضحية ولكنها رأت ولدها وخافت عليه فأخذته وهجرتني بلا رجعة .. هه .. وماذا بعد؟ لم تتوقف الرؤيا عن الفتك بي في كل ليلة ألفًا من المراتِ "

تنهَّد صاحبه:
"ربما تغمرك راحةٌ حين تشارك أحدًا عبئك ..وقد انتهى .. ربما"

غشيهم الليل ولجأ كلٌ منهما إلى مضجعه .. وساد الصمت .. علا صوت بكائه .. قام صاحبه وكان قد اعتاد على ذلك .. ذهب وأقرأه ما يحفظه من القرآن حتى هدأ روعه وسكن فؤاده وتوقفت يداه عن الرعشة ..
وبعد سكونٍ طويل .. قال له بعد فقدان أملٍ:
"لقد عقدت على أمرٍ .. لا أطيق الكتمان ولا البوح .. ولكني سأخبرك .. ولتحكم أنت في أمري .. لعلّ الرحمة تكون في حكمك ولو قليلًا .. "


------------------------------

"الجزء الرابع"
"استيقظت بعد نصف الليل بقليل .. في هدوءٍ لم تعهده لي يقظة منذ فترة مضت .. نظرتُ فيما حولي فإذا بزوجتي نائمةٌ بجواري .. اطمأننتُ لوجودها .. وقد عانيتُ كثيرًا حين هجرتني خوفًا على ابنها منِّي حتى أني اضطررت لأن أكذبها القول وأخبرها أن الرؤيا قد زال أثرها من عقلي ولم يعد لها في حياتي من خبر ..
همستُ في أذنها: ليتك تعلمين ما أقاسيه من بلاء وما أتحمله من عناء ..
وذرفتُ دمعةً أمسكتها على حدود خدّي قبل أن تسقط على وجهها فتوقظها .. ذهبت في عزمٍ لحجرته .. فتحت بابها .. وجدته نائمًا في هيئة ملائكيةٍ .. انتابتني قشعريرة حين تذكرتُ ما أنا مقبلٌ عليه .. لم أعد أرى طريقًا آخر للخروج من هذه الدوَّامة .. نظرتُ في وجهه لدقائق كثيرة ..
مرّ وقتٌ كثير وأنا متحجرٌ في مكاني أتأمل وجهه وكأني أخشى نسيانه بعد زمن ..
فتح عينييه مستجيبًا لندائي الخافت .. انفضّ من رقاده مبتهجًا بحضوري .. احتضنني بقوةٍ وكأنه على موعدٍ معي .. ألقى بنفسه بين أحضاني باكياً .. يكاد صدره ينشق عن قلبه من علو شهيقه .. في كل تنهيدة وعلو صدرٍ له أشعر به يحادثني ويشكو لي ..
قلت له بابتسامة مُصطَنَعة وحُنوٍّ زائف: هلّا رافقتني نتسامر قليلًا؟ فرد مبتسمًا: سمعًا وطاعة يا أبي
"

بكى ولم يستطع أن يكمل .. فأتاه صديقه بكوبٍ من الماء .. شرب حتى ارتوى وهدأ جياشه ثم تابع:

" أخذته من يده .. تشبث بي بقوة وكأنه يطمئنُّ بي ويستقوي بي على أوهام الأطفال التي تثير في أنفسهم خوفًا ما ..
حتى أتينا الخلاء في دبر البيت ..ابتدأتُ حديثي: إنك تعلم يا بني أن الله تعالى قد رزقني إياك على كبَر .. وقد قصَّت عليك أمك مرات ومرات كيف دعونا الله بالرزق فكنت أنت إجابة دعوتنا فظللت الدعوة الصالحة في حياتنا ومصدر كل رزق .. وكبرت وبذلنا فيك الغالي والنفيس من الجهد والمال وكنت لي الثمرة أراها تترعرع في بستان أبيها .. وكنت أباهي بك الناس وأحمد الله أن رزقني إياك لتكون لأبيك سندًا ومعينًا ..
ويا ولدي .. قد رأيت مني ما رأيت .. ولاقيت مني ما لاقيت .. فاعلم أني قد لاقيت ورأيت ما هو أعنى وأكثر ..
وقد آن لك أن تقتسم معى الأمر وتشاركني القرار .. لنصل معاً إلى ما أعلم –بعلم الله- أنه الخير لنا جميعاً!

وأنا على يقين أنك لن تدبر لي إلا خيراً .. قالها والعبرات تروي بساتين وجهه التي أباد جمالها جفاف حياته في الآونة الأخيرة حين حرم من حناني إذ كنتُ له كالماء سر الحياة وأصلها .. وها أنا الآن أشرِكك همي .. ما أسعده !

بادرته في صوت خشن لا تبدو فيه أيٌّ من معالم الأبوة الحانية:
"يا بني إني أرى رؤيًا لا تفارقني أني أذبحك .. فلننظر في أمرنا .. وإني قد جاهدت نفسي حق جهادها حتى استيقنت من الرؤيا .. وأريد أن أصدق الرؤيا .. وأن تجيبني فيها فنصدق الله لعل الله يرفعنا بها في الصالحين "

ضحك الولد في بادئ الأمر ظناً منه أني أمازحه .. ثبت عيناه على وجهي يتفرس ملامحي .. ظل محملقًا يتحقق علامات المزاح في تقاسيم وجهي .. وحين زال الشكُّ عنه فزع من هول ما قلت .. دام الصمتُ بيننا .. لحظات .. مرت وكأنها ساعات طويلة ..
فأطلق صوتًا دفينًا بمشقة بالغة: يأبت .. أوقد حدثتك نفسك أن تذبحني؟ ..
يا بني .. إنها رؤيا ,, والرؤيا أمر من الله .. وقد عهدنا رؤى الأنبياء .. وقد جاء دوري الآن في سلسلة البلاء ..
يأبت .. ما شأنك وشأن ذوي الرؤى .. وما شأننا نحن عوام الناس وشأن الأنبياء!؟
سكتُّ .. لم أجبه .. لم أخبره كم قاسيت ليالٍ وليالٍ .. وكم واجهت نفسي بنفسي .. وأخبرتها أني لست نبيًا مرسلًا كسائر الأنبياء من أهل الرؤى .. لكنها أبت إلا أن ترديني .. وتقتلني إذا أقتل ولدي بيدي ..
رأيت منه استسلامًا لم أظنه يحدث .. لم يقاومني .. لم يجر طالبًا النجدة صارخًا لأمه حين رآني أمسك سكينًا بيدي وأضعها على رقبته .. لم يحدثني بكلمة .. أتعلم؟ رأيتُ ابتسامةً تغمر وجهه .. لم أفهمها .. أكان استغاثة منه بي؟ أم رسالة وداع يتركها؟ أم أمارة مقاومته نفسه التي تحدثه بالهرب؟ كنت ممسكًا سكيني .. وعيناي تجيش بالدمع .. ويداي ترتعد .. وفجأة مدّ يديه على حين غفلةٍ مني .. ومسح دمعي المنهمر على خدّي وقبَّل يدي الممسكة السكين .. لم أتمالك نفسي .. دفعته أرضًا وبكائي يعلو ويعلو معه ارتعادي وهزالي .. لم يقاوم أو يبدِ أدني أمارات المقاومة .. أدرتُ وجهه عني .. أهويتُ عليه بسكيني .. علا صراخي فأوقظ من في الأرض كلهم جميعًا ولم يُبقِ منهم أحداً نائمًا .. مرت دقائق كأنها الأعوام .. رأيت زوجتي مقبلةً عليَّ من بعيد .. جاءتني ورأت ما رأت .. رأت الدم يغشى ثيابي .. رأت جثة ولدها .. رأت وجهه الدامي يغمره ابتسامة وداعه لي .. لا أذكر شيئًا بعدها .. لا اعلم أين ذهَبَتْ .. وأين هي الآن .. "
كان شهيقه قد جاوز مداه فصعب عليه التنفس .. أسرع صاحبه وأتاه الدواء لكنه قاوم أخذ الدواء .. آثر الاستسلام لقضائه كما سلَّم له من قبل وكما سلَّم له ولده .. نام مغشيًا عليه ..
*****
استيقظ هذه المرة في هدوء .. نظر بجواره فوجد زوجته تنظر إليه في ابتسامة تبث بها في نفسه الطمأنة والأمل .. قال لها: "ماذا حدث؟ أشعر وكأني أنام منذ سنين مضت"
قالت له مبتسمةً ومجرى الدمع على خدها لم يجف بعد : "لقد أشركتنا جميعًا رؤياك هذه المرة "
نظر حوله فوجد أهله جميعًا يتوسطهم على الأريكة طبيب الأسرة ..
قال الطبيب: "حمدًا لله على سلامتك .. " واستدار وقال محدثًا أخاه: لن يراها ثانيةً ولو رآها لانتهت في الحال .. قد حققت مبتغاها منه وانتهت هذه المرة ..ورؤيا بداخل رؤيا لا تزور صاحبها كثيرًا .. لا يتحملها عقل .. ولا يرى المرء نفسه قاتلًا مرتين إلا إن كان قاتلًا حقًّا .. قالها وابتسم ثم تابع: رؤيا الأنبياء حق ورؤيا من سواهم عناء!
أوصى الطبيب الأهل أن يجنبوه مواطن الضغط العصبي والذهني ..خرج الطبيب ورافقه صاحبه حتى باب بيته ..

قام من سريره بصعوبة .. أسنده صاحبه .. سحب يده من صاحبه بأدب جمّ .. أسرع في خطاه .. ذهب قاصدًا غرفة ابنه .. علت دقات قلبه كلما اقترب .. أمسك مقبض الباب .. وفتحها بهدوء .. وجد ابنه نائمًا في فراشه كما رآه في رؤياه .. لم يجل بخاطره من قبل معنى للسعادة كما يعلمه الآن .. احتضن ولده بقوة .. قبله وأخلده لنومه مرةً أخرى ..

أمضت الأسرة وقتًا طيبًا .. احتفلوا بعودته إليهم .. رأوا في وجهه دلائل بشر وسرور لم يعهدوها عليه منذ وقتٍ طويل
.. هبط عليهم الليل بستائره وخلد كلٌ منهم لفراشه والتحف وزوجته .. كانت ليلةً خاصةً .. ليلة انتهاء البلاء .. أو هكذا ظنُّوا !

نام مرتاحَ البال هذه المرة .. بدأ النوم يتسلل إليه شيئًا فشيئًا .. وجال في منامه .. وكان فيما رأى في منامه هذه الليلة .. رأى نفسه في ثوبٍ متهالكٍ .. يقف على قبرٍ تملأُه نقوشٌ عثمانيةٌ .. مكتوبٌ على لوحةٍ صغيرةٍ متدليةٍ "إنما الموت البوابة الأولى ..وإنما القبرُ مفتاحها" .. وبجوار هذه اللوحة .. نُقِشَ اسم ولده .. ودعاءٌ له بالرحمة ..

النهاية

-----------------------
مصطفى نبيل
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
الرؤيا .. رواية قصيرة
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
freoum tekken :: اعضائنـا :: الاعضاء :: مواهب الاعضاء-
انتقل الى: